محمد بن جرير الطبري

28

جامع البيان عن تأويل آي القرآن

حدثنا ابن بشار ، قال : حدثنا محمد بن جعفر ، قال : حدثنا سعيد ، عن أبي بشر ، عن سعيد بن جبير ، قال : الطاغوت : الكاهن . حدثنا ابن المثنى ، قال : ثنا عبد الوهاب ، قال : ثنا داود ، عن رفيع ، قال : الطاغوت : الكاهن . حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثني حجاج ، عن ابن جريج : * ( فمن يكفر بالطاغوت ) * قال : كهان تنزل عليها شياطين يلقون على ألسنتهم وقلوبهم . أخبرني أبو الزبير عن جابر بن عبد الله ، أنه سمعه يقول : وسئل عن الطواغيت التي كانوا يتحاكمون إليها ، فقال : كان في جهينة واحد ، وفي أسلم واحد ، وفي كل حي واحد ، وهي كهان ينزل عليها الشيطان . والصواب من القول عندي في الطاغوت : أنه كل ذي طغيان على الله فعبد من دونه ، إما بقهر منه لمن عبده ، وإما بطاعة ممن عبده له ، إنسانا كان ذلك المعبود ، أو شيطانا ، أو وثنا ، أو صنما ، أو كائنا ما كان من شئ . وأرى أن أصل الطاغوت : الطغووت ، من قول القائل : طغا فلان يطغو : إذا عدا قدره فتجاوز حده ، كالجبروت من التجبر ، والخلبوت من الخلب ، ونحو ذلك من الأسماء التي تأتي على تقدير فعلوت بزيادة الواو والتاء . ثم نقلت لامه أعني لام الطغووت ، فجعلت له عينا ، وحولت عينه فجعلت مكان لامه ، كما قيل جذب وجبذ وجابذ وجاذب وصاعقة وصاقعة ، وما أشبه ذلك من الأسماء التي على هذا المثال . فتأويل الكلام إذن : فمن يجحد ربوبية كل معبود من دون الله فيكفر به ، * ( ويؤمن بالله ) * يقول : ويصدق بالله أنه إلهه وربه ومعبوده ، * ( فقد استمسك بالعروة الوثقى ) * يقول : فقد تمسك بأوثق ما يتمسك به من طلب الخلاص لنفسه من عذاب الله وعقابه . كما : حدثني أحمد بن سعيد بن يعقوب الكندي ، قال : ثنا بقية بن الوليد ، قال : ثنا ابن أبي مريم ، عن حميد بن عقبة ، عن أبي الدرداء : أنه عاد مريضا من جيرته فوجده في السوق وهو يغرغر لا يفقهون ما يريد ، فسألهم : يريد أن ينطق ؟ قالوا : نعم يريد أن يقول : آمنت بالله وكفرت بالطاغوت . قال أبو الدرداء : وما علمكم بذلك ؟ قالوا : لم يزل